نُواحٌ مبتَدع:

مديحٌ زائف ودموع حزنٍ كاذبة تحجب الفرح خلفها،واعتذارات تخرج بشقِّ الأنفس وكأنها محطّ ذلٍ لصاحبها..

سمعتها كثيرًا هذه الأيام بشكلٍ يقشعّر منه الجسد وتتردد على كل من حولي وكأنه سينطلي علينا كمّ الخداع هذا ولكن هيهات! فقد أصبح الجميع معتادًا على هذا الزيف الذي يحتضن كلماتهم كقناعٍ يخفي حقيقتها ،فلن تنفع دموع التماسيح هذه بعد الآن ولإن ألقيت نظرةً عابرةً على من يصرخ بإعتذاراته وادّعاءات حبه المخلص لي الآن لوجدت بين يديه سكّينةً مخضّبةً بدمائي التي جفّت..

أفلم يخجل هؤلاء من غزارة أقنعتهم؟ألم تهترئ من كثرة الإستخدام؟،ولما لايكلّون من ارتدائها كل يوم؟وألا يشعرون بشوقٍ لحقيقتهم الغائبة منذ سنين؟وألم يئن لأقنعتهم أن تسقط بعد؟أسئلة كثيرة ملأت عقلي ولم أجد لها جوابًا يسكتها.

لقت تعبت من تدليسهم وزورهم الذي تكدّس حولي حتى كاد يخنقني،وملِلت من السكوت فهل لي أن أصرخ الآن؟صرخةً تقشع غبار الزيف هذا لتعود سمائي صافية كما عهدتها..

ولكن تذكرت!وكيف نسيت؟،فياللأسف قد فات أوان الصراخ منذ أيام،ولم يرضى الزيف أن يتركني وحيدًا بل تشبّث بي حتى في قبري المظلم هذا!لقد هربت بعيدًا عنه ولكنّه أصرّ أن يكون كشبحٍ يخرج من العدم..

تبًا لهذه الأصوات التي تصمّ أذنيّ بحدّتها،وهنيئًا لذلك القبر هناك فلم تزره الأقنعة الزائفة منذ سنوات.

Advertisements

شتاتُ حزن:

لقد طُرد صباح هذا اليوم من منزله الذي كان يقطنه لعدّة سنوات،ذلك المثوى الذي لم يكن كغيره فهو المميز بحفاوته والرحب الذي لم يضِقْ يومًا على ساكنه والذي كان دائمًا ما يتلقف الحزن في أحوّج أوقاته…

مسكينٌ هذا الحزن فما إن يجد مرتعًا يلبّي كل أوامره بخضوعٍ دون أيّ مقاومة حتى يلفظه فجأة ودون سابق إنذار ليعود مشردًا من جديد،وقد اعتاد على حياة التشرد ولكنه لم يسلم بعد من انكساره وتشتته بعد كل نفي، فالحزن -وياللأسف- له من اسمه نصيب..

وقد كان السبب في إخلاءه هو أنّ منزله لم يعد شاغرًا من أجله بعد الآن،فقد حلّ محلّه عدوه اللدود ومن يسمى “بالفرح”.
وعندها تفاوض معه مليًّا بكل تضرعٍ وتوسل أن يترك له ولو غرفةً صغيرة أو قبوًا مهجور،ولكنّه وبكل استعلاءٍ أبى..

وهاهو ذا رفيقنا يتنقّل مُكِبًّا على وجهه ويحمل بين يديه مابقي من لترات الدموع التي لم تُسكب بعد وبقايا ذكرياتٍ قاتمة خبأها في معطفه.

كم يريد العودة الآن والإعتذار من مسكنه فقد تذكّر للتو كم كان يرهقه بالبكاء كل ليلة حتى تصدّعت جدرانه، وبيديه المذنبة كان يقلّب صفحات الماضي وينتشي بسماع أنينه،والآن ومن الشارع الخلفيّ سمعه بكل وضوح يترنم ويتراقص بنزيله الجديد..

وفي ظلام الليل الدامس وبينما للجميع منازل بحضنٍ دافئ،هاهو يطرق الأبواب بابًا خلف آخر كنمبوذٍ يتوق لترحيبٍ حار..

أمنياتٌ نائية:

في ليالي الشتاء القارسة التي لم ترحم طفلًا خبَأَ جسده الضئيل في زقاقٍ منسيّ وراح من شدّة البرد يعْقِد صفقات مع أحلامه المتراكمة في عالم الخيال: هلّا هربتي من هذا العالم؟ ورسمتِ البسمة على شفاةٍ قد اشتاقت إليها؟ ومابالكِ رفيقتي لاتجيبين ومن حديثي تهربين،أهل نسيتِ العشرة القديمة وأبدلتها بجديدة؟ أأحببت الخيال وغفلتِ عن الوصل والسؤال؟

وها هنا ولأول مرةٍ أرجوكِ لتهجريه وترتمي في أحضاني وإني أقسم لكِ أن يداي تنتظر وأضلعي تحتضر، وأنني منذ فقدكِ لم يهدأ لي بال ولم يهجع لي جفن فرومي على قلبي وطمئنيه

ويا أمنياتي الفقيرة كحال صاحبها أريد أن أخبرك أنكِ لست إلّا أمنيات جائعٍ شَبِم يتحرق شوقًا لخبزٍ طريّ يسكت به عصافير جوفه وماءٍ يروي به عطشه ومدفأةٍ أو أعواد ثقاب تنهي هذه الرجفة فلمَ كل هذا الجفاء؟…

وألغيت الصفقة هنا،ولم يعد يحتاج لأمنياته بعد الآن 

 فقد احتضنه الموت وأخذ بيده..

زَمْهَرير:


يصحو باكرًا وينتشل بقايا الوحدة التي أشْقته بالأمس، ثم يخرج ليستنشق نسيم الصباح ويخبئه بداخله ،ولا ينسى أن يحتفظ بكل لحظات يومه الدافئة فيلتقط ضحكات هؤلاء وابتسامة تلك والكلمة اللطيفة من صديقة ولعب الأطفال هناك ثم يراكمها في جوفه علّ أكوام الدفء هذه تجلي زمهرير الوحدة.. 

ولا يكفّ أيضًا عن الإصغاء لكل الصخب والأحاديث الهامسة من حوله لعلّ أذنه تعتاد هذا الضجيج بدلًا عن دوّي الوحدة الذي يحاصره.

وما إن تكتسي السماء بالسواد حتى يعود أدراجه وجوفه ممتلئ بدروعٍ ضد الوحدة،وبابتسامة نصرٍ تعلو محياه يصعد سلالم بيته وكله ثقة أن هذه الليلة لن تكون كقبلها،ومن ثم يتفاجئ أن دروعه تتلاشى شيئًا فشيئًا حتى أصبح جوفه خاليًا بلا حماية فتملّكه الفزع واقشعرّ جسده عندما شعر بأنفاس الوحدة اللاهثة التي انقضّت عليه دون أدنى شفقة وأمضى ليله بأكمله يرتجف كمحمومٍ راجيًا الخلاص.

سارقٌ مُطمئن:


عيناه دائمة التأهب والتربص وكأنه خائف من أن تضيع فرصته في سرقة كل الآمال،والأحلام التي زرعتها في مخيّلتك بيدٍ ترتعش خوفًا ولسانٍ يبتهل داعيًا أن يحفظ الله لك هذه الغراس وينبتها تباتًا حسنًا،فيمهلك الواقع هنيهة لتنتزع غراسك ولكنك تتشبث بها عبثًا،فيأتي حاثًا خطاه ليستحوذ عليها ويجتثّها أمام ناظريك دون أن تقوى على ردعه..

أفتدرون لمَ هو سارقٌ مطمئن،يسرق في وضح النهار بجرمٍ مشهود دون خوف؟

لأنه متيقّن أن لا أحد يملك الجرأة على تكبيل يديه فيسرقُ هذا ويمهل هذا حتى يُفعِمه بالأمل ثم يستلُّ منجله ويحصد براعم الأمنيات دون أدنى شفقه …فهل يعقل أن يشفق السارق؟

وأكثر من أرحمه هو الخيال الذي يكفكف دمعه آسفًا ومتحسّرًا ليس بوسعه أن يصدّ الواقع الذي كان في أوج قوّته،ولا يملك سوى أن ينظر إلى أرضه الخصبة والزاخرة بالأحلام التي أصبحت بفضل السارق أرضًا جدباء وقاعًا صفصفًا…

وبعد كل هذا الإضطراب والذعر واختفاء الأمن والأمان لا يجد الخيال الواهن حلًا غير حرق محاصيله بيديه قبل أن تُنهب ويُغلِق أبوابه بإحكام آملًا ألاّ تُقتحم.

يوارِي خَيبَته:


في يوم من أيامي التي تمرّ ببطئ حتى يخيّل لي أنها سرمدية لن تنتهي كنت بصحبة صديقي وشقيق روحي نتبادل الأحاديث الصامتة بالنظرات التي اعتدنا على فهمها…

 وفجأة سألني ببحة خذلان: لم أكن أعلم أنك تختبئ

رددت متعجبًا: ممّا اختبئ؟

وبعد تنهيدة طويلة أجاب:لم أكن أعلم ياصديق أنك تختبئ منّي.. لم أكن أعلم أنك اعتدت لبس الأقنعة ذوات السعادة المختلقة وأن قلبك الطاهر يتألم بصمت دون أن أسمعه..

لم أكن أعلم أن روحك تبكي بحرقة في غيهب الليل وأنا في الوقت ذاته أضحك ملء فمي..

وليتني كنت أعلم أن ذات الشخص المهلك من الأسى يصحو باكرًا وينفض حزن الأمس عن عينيه ويمسك فرشاة ليرسم البسمة على كل من يصادفه.

لمَ ياصديقي فعلت هذا بي وشاركتني فرحك وسعادتك-المصطنعة- وواريت عني أكوام الحزن والخيبة التي تسكن قلبك؟

رددت قائلًا: إنني أضحك مقهقهًا لعلّي أُسكت نواح روحي،ولكن لاتقلق يا رفيق عمري فإن أذنيّ اعتادت على نشيج قلبي بل أصبحت تترنم به ويداي لم تكفّ بعد عن حمل هذا العبء المتراكم على كاهلي ومازالت تربت على قلبي وتطمئنه..ولأسعدك أيضًا فإن أرجلي حتى الآن قادرة على حمل جسدي الممتلئ بالخوف والحيرة من كل شيء…

أنا أعتذر وبكل صدق إن كان مافعلته يعدّ خديعة لك ولكن في كل مرّة أرى فيها ابتسامتك أقول في نفسي “هذه الابتسامة لايحق لأحد أن يبدّدها

أنهيت حديثي بابتسامة: بعد كل هذا لا تبتأس فأنا مازلت بخير..

وكأنني قلت هذه الجملة كرجاءٍ أخير لعلّ عقلي الباطن يُصدّق الكذب الذي نطقت به

ولكن خارت قواي عندما سمعت صراخ روحي الغاضب الحزين:

منذ متى؟ أنا لست بخير،ولم أكن كذلك يومًا!

حزنٌ مهمّش:


١٠:٤٥م 

تساؤلات قد أَجّلَتِ نومَ عيني فبحثتُ عن إجابات تُهدئ من دوّي هذه الحيرة : لمَ يتوجب علينا إخفاء الحزن و عدم إظهاره؟ والتفاخر بالسعادة والإجهار بها؟ مع إن كلاهما مشاعر تراودنا في كل وقتٍ وحين . لمَ نرسم ابتسامة مصطنعة وخلفها الكمّ الغفير من الضنك والتشتت ؟ لم نهمش هذا الاحساس ونخجل منه و كأننا نتملص من طبيعتنا البشرية التي لا بد لهُ أن يطرق بابها ولكننا وبكل فظاعة نوصد الأبواب ، فيُطأطأ رأسه ويعود أدراجه ليزورنا في وقتٍ آخر يأمل فيه أن نحسن ضيافته . أما أنا يا صديقي فحينما يزورني حزني على إستحياء خائفًا من أن أهجره و أتفاداه كما يحدث معه عادةً، كل ما أفعله هو أنني أعطي هذه المشاعر الجيّاشة حقّها وأُغدق عليها من شآبيب العدل كما أفعل تمامًا مع السعادة و سواها من المشاعر التي لها حقٌ عليّ . أعلم أن هناك الكثير منّا يظلم مشاعره بخجله منها ، فكل ما أقوله : ” لا تنسى أنك إنسان ، فلا بأس عليك أن تحتضن حزنك “.